يمثل الذكاء الاصطناعي اليوم محور الابتكار والنمو الاقتصادي العالمي، ولا تختلف المملكة العربية السعودية في رؤيتها الطموحة لاستغلال هذه التقنية التحويلية. فمع ركيزة رؤية 2030 التي تدعو إلى تنويع الاقتصاد وبناء مجتمع معرفي، يقف صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كلاعب محوري ومحرك استراتيجي لا يدخر جهدًا في قيادة استثمارات المملكة في هذا القطاع الحيوي. بعيدًا عن كونه مجرد مستثمر مالي، يعمل الصندوق كشريك استراتيجي يهدف إلى بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، تمتد من تطوير البنية التحتية وصولًا إلى تنمية المواهب وتوطين التقنيات المتقدمة.
الاستراتيجية الكلية: بناء نظام بيئي متكامل للذكاء الاصطناعي
لا تقتصر استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة على مجرد ضخ الأموال في شركات الذكاء الاصطناعي. بل تتجاوز ذلك لتشمل بناء نظام بيئي متكامل ومستدام. هذا النظام البيئي يرتكز على عدة محاور متكاملة .
1- بناء القدرات المحلية عبر الكيانات التابعة:
يُعد إطلاق "الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي" (SCAI) بمثابة خطوة استراتيجية جريئة نحو توطين الخبرات وبناء القدرات المحلية. لا تهدف SCAI إلى مجرد الاستثمار، بل تسعى لتكون لاعبًا فاعلًا في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي من خلال:
- البحث والتطوير الموجه: استثمار مبالغ طائلة في البحث والتطوير لتطوير خوارزميات ونماذج ذكاء اصطناعي تتناسب مع احتياجات المملكة وتحدياتها الفريدة، مع إمكانية التوسع عالميًا.
- تمكين المواهب الوطنية: العمل على جذب وتطوير الكفاءات السعودية في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، من خلال برامج تدريب متخصصة وشراكات مع الجامعات والمراكز البحثية العالمية. هذا يضمن استدامة الابتكار وقيادته بأيدي وطنية.
2- قيادة الابتكار العالمي عبر "هيوماين" (HUMAIN):
تأتي شركة "هيوماين" لتؤكد طموح المملكة في قيادة مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي. فمن خلال رؤية شاملة تتضمن:
- الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي الواعدة: صندوق رأس المال الجريء بقيمة 10 مليارات دولار سيمنح "هيوماين" القدرة على الاستثمار في أحدث وأكثر الشركات ابتكارًا في العالم، مما يجلب تقنيات وخبرات متقدمة إلى المملكة.
- بناء البنية التحتية للجيل القادم: إقامة "مصانع الذكاء الاصطناعي" الضخمة بالتعاون مع NVIDIA هو بمثابة تأسيس العمود الفقري لابتكار الذكاء الاصطناعي في المنطقة. هذه المصانع لن تكون مجرد مراكز بيانات، بل ستكون مراكز لتوليد القدرات الحاسوبية الهائلة اللازمة لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعقدة. هذا يضع المملكة في طليعة الدول القادرة على إنتاج حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
- تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي السيادية: القدرة على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي داخل المملكة يضمن أمان البيانات والتحكم في التقنيات الحساسة، مما يعزز السيادة الرقمية ويفتح آفاقًا لتطوير حلول محلية تتفهم الثقافة واللغة العربية بشكل أعمق.
الشراكات الاستراتيجية الدولية: جسر إلى الخبرة العالمية:
إدراكًا لأهمية التعاون الدولي في قطاع سريع التطور كالذكاء الاصطناعي، يحرص الصندوق على نسج شبكة من الشراكات مع اللاعبين العالميين:
- Google Cloud ومركز الذكاء الاصطناعي المتقدم: هذه الشراكة ليست مجرد اتفاقية لتوسيع الخدمات السحابية، بل هي دعامة لإنشاء مركز بحث وتطوير للذكاء الاصطناعي. هذا المركز سيعمل على تطوير حلول مبتكرة للشركات المحلية والعالمية، مع التركيز على تحديات وفرص المنطقة. كما أن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية سيعزز المحتوى الرقمي العربي ويفتح أسواقًا جديدة.
- الاستثمارات في صناديق عالمية: مساهمة الصندوق في صناديق مثل SoftBank Vision Fund تمنحه نافذة على أحدث الابتكارات والشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي حول العالم، مما يتيح له الوصول إلى تقنيات واعدة مبكرًا.
الذكاء الاصطناعي كركيزة للمشاريع العملاقة:
تتجسد رؤية الصندوق للذكاء الاصطناعي في تصميم وتشغيل المدن والمشاريع الكبرى:
- نيوم وذا لاين: هذه المدن ليست مجرد تصميمات عمرانية، بل هي مختبرات حية لتطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق غير مسبوق. من إدارة الموارد، إلى تنظيم حركة المرور، مرورًا بالرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، ستكون هذه المدن مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، مما يعزز الكفاءة ويقدم تجربة معيشية فريدة.
- تطبيقات عبر القطاعات: يتم دمج الذكاء الاصطناعي في استثمارات الصندوق في قطاعات متنوعة مثل الترفيه (لتجربة زوار محسنة)، والسياحة (خدمات مخصصة)، والرعاية الصحية (تشخيص وعلاج أفضل)، والطاقة (تحسين الكفاءة)، مما يخلق قيمة مضافة ويساهم في تنويع الاقتصاد.
التأثير المستقبلي والفرص الكامنة:
إن استثمارات صندوق الاستثمارات العامة في الذكاء الاصطناعي تحمل في طياتها وعودًا بتحولات جذرية:
- توليد الثروة الاقتصادية: عبر خلق قطاعات جديدة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
- خلق فرص عمل نوعية: في مجالات متخصصة تتطلب مهارات عالية، مما يدعم التنمية البشرية ويعزز الاقتصاد المعرفي.
- تحسين جودة الحياة: من خلال خدمات حكومية وخدمات مدن أكثر كفاءة، ورعاية صحية متقدمة، وبيئة أكثر استدامة.
- تعزيز مكانة المملكة عالميًا: كمركز للابتكار والتقنيات المتقدمة، وكمساهم فاعل في مستقبل الذكاء الاصطناعي على الساحة الدولية.
التحديات والطريق إلى الأمام
بالرغم من هذه الجهود الجبارة، تظل هناك تحديات تتطلب معالجة مستمرة. من أبرز هذه التحديات: الحاجة إلى تسريع بناء القدرات البشرية المتخصصة في هذا المجال، وضمان مواكبة الأطر التشريعية والتنظيمية للتطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، والحفاظ على تدفق البيانات اللازمة لتدريب النماذج، ومواجهة المنافسة الشرسة من القوى العالمية الأخرى.
يعمل صندوق الاستثمارات العامة (PIF) في المملكة العربية السعودية كقوة دافعة ومحرك رئيسي لتطوير قطاع الذكاء الاصطناعي، وذلك تماشيًا مع أهداف رؤية المملكة 2030 الطموحة. لا يوجد "ذراع" واحد ومحدد بشكل حصري وكامل يمثّل كل استثمارات الصندوق في الذكاء الاصطناعي، بل تتوزع هذه الاستثمارات والمبادرات على عدة كيانات واستراتيجيات تشكل معًا محفظة الصندوق في هذا القطاع الحيوي.
إليك أبرز الجوانب التي يركز عليها صندوق الاستثمارات العامة في قطاع الذكاء الاصطناعي:
الشركة السعودية للذكاء الاصطناعي (SCAI):
تعتبر SCAI هي الذراع المباشر والمملوك بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة في قطاع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. تأسست SCAI في عام 2021 بهدف المساهمة في تحقيق استراتيجية الصندوق لتمكين القطاعات الواعدة وجعل المملكة مركزًا تنافسيًا عالميًا للتقنيات المتقدمة.
رؤية SCAI: قيادة مستقبل تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإحداث أثر ذي قيمة على مستوى العالم.
أهدافها:
- البحث والتطوير: من خلال استثمارات كبيرة لابتكار حلول ذكية.
- تمكين المواهب: عن طريق جذب وتطوير أفضل المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي.
- استحداث شراكات استراتيجية: مع كبرى الشركات العالمية والجامعات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
شركة "هيوماين" (HUMAIN):
أعلن سمو ولي العهد مؤخرًا (في مايو 2025) عن إطلاق شركة "هيوماين" كرائد عالمي في مجال الذكاء الاصطناعي. تهدف هذه الشركة إلى تطوير وإدارة حلول وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في منظومة القطاع.
- استثمارات ضخمة: تخطط "هيوماين" لإطلاق صندوق رأس مال جريء بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي.
- بناء مصانع الذكاء الاصطناعي: أعلنت "هيوماين" عن شراكة استراتيجية مع NVIDIA لبناء "مصانع ذكاء اصطناعي" في المملكة بطاقة تصل إلى 500 ميجاوات وتضم مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) المتقدمة من NVIDIA خلال السنوات الخمس المقبلة.
- تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي السيادية: ستوفر هذه المصانع بنية تحتية آمنة لتدريب ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي السيادية على نطاق واسع.
- التحول الرقمي للقطاعات: ستعمل "هيوماين" على تسريع الابتكار والتحول الرقمي في مختلف الصناعات داخل المملكة وخارجها.
الشراكات الاستراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا العالمية:
يحرص صندوق الاستثمارات العامة على إقامة شراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية الرائدة لتعزيز قدرات المملكة في الذكاء الاصطناعي:
- الشراكة مع Google Cloud: أعلن الصندوق عن شراكة مع Google Cloud لإنشاء مركز متقدم للذكاء الاصطناعي في المملكة. تتضمن هذه الشراكة توسيع منطقة Google Cloud ببنيه تحتية حديثة، ومن المتوقع أن تولد آلاف فرص العمل وتزيد الناتج المحلي الإجمالي للمملكة. وتركز هذه الشراكة أيضًا على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.
- استثمارات غير مباشرة: يمتلك الصندوق استثمارات في صناديق استثمارية عملاقة مثل SoftBank Vision Fund، والذي يستثمر بدوره في العديد من شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة عالميًا.
المشاريع الكبرى ورؤية 2030:
يُعد الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في المشاريع الكبرى التي يقودها الصندوق ضمن رؤية 2030:
- نيوم وذا لاين: يتم تصميم هذه المدن والمشاريع لتكون مدنًا ذكية تعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي في إدارتها، خدماتها، وتطبيقاتها اليومية.
- تطوير القطاعات الواعدة: يساهم الصندوق في تطوير قطاعات مثل الرعاية الصحية، السياحة، الترفيه، الطاقة، والخدمات اللوجستية، من خلال دمج حلول الذكاء الاصطناعي لزيادة الكفاءة والابتكار.
تنمية المواهب والبحث والتطوير:
- يساهم الصندوق في دعم المبادرات الرامية إلى تطوير الكوادر الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية.
- يهدف إلى خلق بيئة جاذبة للمواهب العالمية في هذا المجال.
صندوق الاستثمارات العامة ليس لديه "ذراع" واحد معلن ومستقل يضم كل استثماراته في الذكاء الاصطناعي فحسب، بل هو شبكة متكاملة من الاستثمارات المباشرة (مثل SCAI وHUMAIN)، والشراكات الاستراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا، ودعم المشاريع الكبرى، وتنمية البيئة المحفزة للابتكار، كلها تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة العربية السعودية كقوة عالمية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي وتحقيق أهداف رؤية 2030 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة.
ومع ذلك، فإن النهج الشمولي الذي يتبناه صندوق الاستثمارات العامة، والذي يجمع بين الاستثمار في البنية التحتية، وتنمية المواهب، والشراكات الاستراتيجية، يضع المملكة العربية السعودية على مسار واعد نحو تحقيق طموحاتها في أن تصبح رائدة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وأن يكون هذا القطاع محركًا أساسيًا للتحول الاقتصادي الشامل والرفاهية المستدامة.
