أشترك في قناتنا على التيليجرام اشتراك

ضمان الضرر والإتلاف بتقنيات الذكاء الاصطناعي قواعد وتطبيقات فقهية

في عصر تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، يتدخل في مجالات حيوية كالصناعة، الطب، النقل، وحتى العمليات القضائية. هذا الانتشار الواسع يثير تساؤلات جوهرية حول المسؤولية القانونية والأخلاقية عند وقوع أضرار ناجمة عن تصرفات هذه الأنظمة الذكية. وفي السياق الإسلامي، تبرز الحاجة الملحَّة لتكييف المبادئ الفقهية العريقة، خاصة تلك المتعلقة بالضمان والإتلاف، لتشمل هذه التقنيات الحديثة. فهل يمكن تحميل الآلة الذكية مسؤولية تصرفاتها؟ ومن يتحمل تبعات الضرر الذي قد تسببه؟ هذا المقال يستكشف التحديات الفقهية المعاصرة ويقدم بعض التكييفات والتطبيقات المحتملة لقواعد الضمان الإسلامية في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي.


أولاً: مفهوم الضمان في الفقه الإسلامي وتحدياته في سياق الذكاء الاصطناعي

يعني "الضمان" في الفقه الإسلامي التزامًا بجبر الضرر، سواء كان ذلك بضمان العين المتلفة أو قيمتها أو التعويض عنها. ويقوم الضمان على عدة أسس، منها:

  • ضمان اليد: وهو ضمان ما تحت اليد وإن لم يكن هناك إتلاف مباشر، كمن يغصب مالاً فيتلف تحت يده.
  • ضمان الإتلاف: وهو الضمان الذي يترتب على إتلاف المال أو النفس مباشرة.
  • المسؤولية التقصيرية: التي تنشأ عن الفعل غير المشروع الذي يسبب ضرراً للغير، وتستند على وجود الخطأ، الضرر، وعلاقة السببية.

تحديات إسناد المسؤولية الفقهية للذكاء الاصطناعي: يكمن التحدي الأكبر في إسناد المسؤولية للذكاء الاصطناعي في طبيعته المركبة ومستوى استقلاليته:

  1. غياب الشخصية القانونية: الفقه الإسلامي يربط المسؤولية عادة بـ "المكلف" الذي يمتلك الأهلية (أهلية الوجوب وأهلية الأداء) والإرادة والقصد. الآلة، مهما بلغت درجة ذكائها، لا تمتلك وعيًا أو إرادة بالمعنى الشرعي، ولا يمكن إسناد نية الإتلاف إليها. هذا يجعل تطبيق قواعد الضمان التقليدية التي تستند إلى أفعال المكلفين أمرًا معقدًا.
  2. مشكلة "الصندوق الأسود" (Black Box Problem): بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة (خاصة تلك التي تعتمد على التعلم العميق) تتخذ قرارات بطرق يصعب على البشر فهمها وتتبعها. هذا الغموض يجعل من الصعب تحديد سبب الضرر بدقة وإسناد الخطأ إلى مبرمج أو مصمم أو مستخدم معين، مما يعقد تطبيق شرط علاقة السببية في الضمان.
  3. الاستقلالية والتعلم الذاتي: أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة، مثل السيارات ذاتية القيادة أو الروبوتات القادرة على اتخاذ القرارات في بيئات غير متوقعة، قد تتصرف بطرق لم يُبرمجها بها المصمم الأصلي. هذا التطور المستمر لسلوك الآلة يطرح سؤالاً حول مدى استمرار مسؤولية المطور أو المصنع بعد خروج المنتج عن سيطرته المباشرة.
  4. تعدد الأطراف الفاعلة: في أي نظام ذكاء اصطناعي، توجد أطراف متعددة: المطور، المبرمج، الشركة المصنعة، الموزع، المالك، المستخدم النهائي. تحديد المسؤولية بين هذه الأطراف، خاصة عند وقوع ضرر، يتطلب تكييفات فقهية دقيقة.

تطبيقات فقهية محتملة لضمان الضرر والإتلاف بتقنيات الذكاء الاصطناعي

لمواجهة هذه التحديات، يمكن استنباط وتكييف بعض القواعد والمبادئ الفقهية:

  1. قياس الذكاء الاصطناعي على الجمادات والعجماوات (الحيوانات):

    • الجمادات: القاعدة الفقهية تقول إن "إتلاف الجمادات لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير". يمكن تطبيق هذا على الذكاء الاصطناعي عندما يكون ضرره ناتجاً عن خلل في التصميم أو البرمجة أو الاستخدام غير الصحيح. هنا، تكون المسؤولية على من وقع منه التعدي أو التقصير (المصمم، المبرمج، المستخدم).
    • العجماوات (الحيوانات): الفقه الإسلامي ينص على أن "جناية العجماء جُبار" (أي هدر ولا ضمان إلا إذا كان هناك تعدٍ من صاحبها). يمكن قياس بعض حالات الذكاء الاصطناعي على الحيوانات إذا تصرفت بطريقة غير متوقعة لم يكن للمالك أو المستخدم سيطرة كاملة عليها، مع التركيز على مسؤولية المالك أو الحارس في حالة التفريط أو الإهمال في المراقبة أو التدريب أو الصيانة.
  2. مسؤولية التقصير أو الإهمال (الخطأ):

    • المطور/المصنع: يتحمل المسؤولية إذا كان الضرر ناتجاً عن عيوب في التصميم، أو أخطاء في البرمجة، أو عدم اختبار النظام بشكل كافٍ. هنا ينطبق مبدأ "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فواجبهم التأكد من سلامة النظام.
    • المالك/المستخدم: يتحمل المسؤولية إذا كان الضرر ناتجاً عن سوء الاستخدام، أو عدم الالتزام بتعليمات التشغيل، أو عدم تحديث النظام (إذا كان ذلك ضروريًا للسلامة)، أو التفريط في الإشراف على النظام. ينطبق هنا مبدأ "الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه"، ويجب على من يمتلك أو يستخدم هذه التقنيات أن يتحمل مسؤولية الأضرار التي قد تنتج عنها.
  3. نظرية الغنم بالغرم (الخسارة بالمنفعة): هذه القاعدة الفقهية تعني أن من يستفيد من شيء يتحمل خسارته. فمن ينتفع بتقنية الذكاء الاصطناعي ويجني منها أرباحاً أو يوفر جهداً، قد يتحمل مسؤولية أضرارها. هذا يوجه المسؤولية نحو المالك أو الجهة المستفيدة من استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي، مع إمكانية الرجوع على المطور أو المصنع إذا كان هناك عيب أصيل في المنتج.

  4. التأمين التكافلي: يمكن أن يلعب التأمين التكافلي دورًا حيويًا في تخفيف الأعباء المالية الناتجة عن أضرار الذكاء الاصطناعي. يمكن تصميم عقود تأمين تكافلية لتغطية المخاطر المرتبطة باستخدام الروبوتات، السيارات ذاتية القيادة، أو غيرها من أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

  5. دور الفقه المقاصدي: مقاصد الشريعة (حفظ النفس، حفظ المال) توجه الفقهاء نحو ضرورة إزالة الضرر وحماية الحقوق. وبالتالي، حتى لو لم تنطبق القواعد الفقهية التقليدية بشكل مباشر، فإن مقاصد الشريعة تقتضي ضرورة إيجاد حلول تضمن جبر الضرر وحماية المتضررين من التقنيات الحديثة. قد يتطلب هذا إقرار مسؤولية "موضوعية" أو "على أساس المخاطر" في بعض الحالات، على أن يتم تكييفها بما لا يتعارض مع الأصول الشرعية.


الحاجة إلى اجتهاد فقهي مؤسسي وتشريعات مرنة

إن تعقيد مسألة مسؤولية الذكاء الاصطناعي يستدعي:

  1. الاجتهاد الجماعي والمؤسسي: يجب أن تتضافر جهود المجامع الفقهية والمراكز البحثية الإسلامية، بالتعاون مع الخبراء في الذكاء الاصطناعي والقانون، لتطوير أطر فقهية واضحة ومستدامة.
  2. المرونة في التشريع: يجب أن تتسم التشريعات المستقبلية بالمرونة الكافية لاستيعاب التطورات المتسارعة في هذا المجال، دون الإخلال بالمبادئ الشرعية.
  3. إعادة النظر في مفاهيم محددة: قد يتطلب الأمر إعادة النظر في بعض المفاهيم الفقهية مثل "الآلة" و"الفعل" و"الخطأ" في سياق الذكاء الاصطناعي لتكييفها مع الواقع الجديد.

إن التحدي الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي على الفقه الإسلامي في مسألة ضمان الضرر والإتلاف ليس مجرد تحدٍ تقني، بل هو اختبار لقدرة الشريعة على التكيف مع المستجدات وتقديم حلول عادلة ومنصفة لكل زمان ومكان. من خلال تطبيق القواعد الفقهية العامة، واستنباط تكييفات جديدة، والاعتماد على مقاصد الشريعة، يمكن للفقه الإسلامي أن يقدم إطارًا قويًا ومنصفًا لتحديد المسؤولية عن أضرار الذكاء الاصطناعي، مما يضمن تحقيق العدالة وحفظ الحقوق في عالم تزداد فيه استقلالية الآلة وتأثيرها على حياة البشر. هذا المجال مفتوح للبحث العميق والاجتهاد المستنير، والذي سيسهم في بناء مستقبل رقمي آمن ومسؤول تحت مظلة الشريعة الإسلامية.

About the Author

كاتب و مدون مصري في مجال التقنية ، و مؤسس موقع Easy Ezay التقني المتخصص في تقديم حلول لمشكلات التقنية .

إرسال تعليق

موافقة ملفات تعريف الارتباط
نحن نقدم ملفات تعريف الارتباط على هذا الموقع لتحليل حركة المرور وتذكر تفضيلاتك وتحسين تجربتك.
حدث خطأ
يبدو أن هناك خطأ ما في اتصالك بالإنترنت. يرجى الاتصال بالإنترنت وبدء التصفح مرة أخرى.
تم اكتشاف AdBlock!
لقد اكتشفنا أنك تستخدم مكونًا إضافيًا لحظر الإعلانات في متصفحك.
يتم استخدام الإيرادات التي نكسبها من خلال الإعلانات لإدارة موقع الويب هذا، ونطلب منك إدراج موقعنا على الويب في القائمة البيضاء في مكون حظر الإعلانات الخاص بك.
Site is Blocked
Sorry! This site is not available in your country.